علي محمد علي دخيل

738

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

فأتوه بها ، فكانت عنده ، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت ، فلما استبان حملها قتلها ودفنها ، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد أخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وأنه دفنها في مكان كذا ، وبلغ ذلك ملكهم ، فسار الملك والناس فاستنزلوه فأقر لهم بالذي فعل ، فأمر به فصلب ، فلما رفع على خشبته تمثل له الشيطان فقال : أنا الذي ألقيتك في هذا فهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه ، قال : نعم قال : أسجد لي سجدة واحدة فقال : كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة ؟ فقال : أكتفي منك بالإيماء ، فأومى له بالسجود فكفر باللّه ، وقتل الرجل ، فهو قوله : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ ضرب اللّه هذه القصة لبني النضير حين اغتروا بالمنافقين ثم تبرءوا منهم عند الشدة وأسلموهم إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ يوم القيامة فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها يعني عاقبة الفريقين : الداعي والمدعو من الشيطان ومن أغواه من المنافقين واليهود أنهما معذبان في النار وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ أي وذلك جزاؤهم . ثم رجع إلى موعظة المؤمنين فقال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني ليوم القيامة والمعنى : لينظر كل امرئ ما الذي قدّمه لنفسه أعملا صالحا ينجيه ، أم سيئا يوبقه ويرديه ؟ فإنه وارد عليه وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ إنما كرر الأمر بالتقوى لأن الأولى للتوبة عما مضى من الذنوب ، والثانية لاتقاء المعاصي في المستقبل وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي تركوا أداء حق اللّه فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ بأن حرمهم حظوظهم من الخير والثواب . وقيل : نسوا اللّه بترك ذكره بالشكر والتعظيم ، فأنساهم أنفسهم بالعذاب الذي نسي بعضهم بعضا كما قال : فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ : أي ليسلّم بعضكم على بعض ، عن الجبائي ، ويريد بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ، عن ابن عباس أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الذين خرجوا من طاعة اللّه إلى معصيته لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أي لا يتساويان ، لأن هؤلاء يستحقون النار ، وأولئك يستحقون الجنة أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ بثواب اللّه ، الظافرون بطلبتهم . 21 - 24 - لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تقديره : لو كان الجبل مما ينزل عليه القرآن ، ويشعر به مع غلظه ، وجفاء طبعه ، وكبر جسمه ، لخشع لمنزله ، وتصدّع من خشية اللّه تعظيما لشأنه ، فالإنسان أحق بهذا لو عقل الأحكام التي فيه ، وقيل معناه : لو كان الكلام ببلاغته يصدع الجبل لكان هذا القرآن يصدعه وقيل : إن المراد به ما يقتضيه الظاهر بدلالة قوله : وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وهذا وصف للكافر بالقسوة حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن الذي لو نزل على جبل لتخشع ويدل على أن هذا تمثيل قوله وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي ليتفكروا ويعتبروا . ثم أخبر سبحانه بربوبيته وعظمته فقال هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي هو المستحق للعبادة الذي لا تحق العبادة إلّا له عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي عالم بما يشاهده العباد ، وعالم بما يغيب عنهم علمه وقيل : عالِمُ الْغَيْبِ معناه : عالم بما لا يقع عليه الحس من المعدوم والموجود الذي لا يدرك مما هو غائب عن الحواس كأفعال القلوب وغيرها ، والشهادة : أي عالم بما يصح عليه الإدراك بالحواس ، وقيل معناه : عالم السر والعلانية ، عن الحسن ، وفي هذا وصفه سبحانه بأنه عالم بجميع المعلومات لأنها لا تعدوا القسمين ، وعن أبي جعفر عليه السلام قال : الغيب ما لم يكن ، والشهادة ما كان هُوَ الرَّحْمنُ أي المنعم على جميع خلقه الرَّحِيمُ بالمؤمنين . ثم أعاد سبحانه قوله هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ يعني السيد المالك لجميع الأشياء ، الذي له التصرف فيها على وجه ليس لأحد